ثانياً : إجابة الدعوة
-حكم إجابة دعوة المسلم:
ومن جسور المحبة قوله صلي الله عليه وسلم : (( وإذا دعاك فأجبه))
ومن الدعوات ما تكون واجبة، ومنها ما تكون سنة، ومنها ما يحرم إجابتها.
فأما ما هي واجبة: فدعوة الزواج ـ إذا لم يكن هناك منكر ـ ففي الصحيحين من حديث ابن عمر ـ رضي الله عنهما ـ : إذا دعي أحدكم إلي الوليمة فليأتها)). والوليمة هي وليمة العرس؛ لأنها تسمي هكذا في كتب اللغة. وفي لفظ مسلم: (( إذا دعا أحدكم أخاه فليجب ، عرساً كان أو نحوه)).
قال أهل العلم: هذا الأمر للوجوب، أي يجب عليك شرعاً أن تجيب الداعي ما لم يكن هناك منكر مخالف للشرع.
-آداب الدعوة:
ورد عند مسلم عن أبي هريرة عن النبي صلي الله عليه وسلم أنه قال : (( شر الطعام طعام الوليمة يمنعها من يأتيها ، ويدعي إليها من يأباها، ومن لم يجب الدعوة فقد عصى الله ورسوله)).
فشر الولائم التي للرياء والسمعة ، يدعي إليها عليه الناس، ويمنع منها الفقراء، وعند مسلم ـ أيضاً ـ (( إذا دعي أحدكم إلي طعام فليجب، فإن شاء طعم، وإن شاء ترك)).
فأنت تحضر وليس المقصود أن تأكل، فإن البعض الآن إذا دعي إلي وليمة قال: ما أستطيع لأني أكلت، أو يقول : لا أريد الأكل، فهذا خطأ ، ليس المقصود أن تأكل، احضر وادع لهم، وتحدث معهم وآنسهم، فإن كثيراً من السلف كانوا يحضرون وهم صيام، فكانوا يدعون لأهل المنزل من حسن خلقهم.
فللإنسان أن يزيد علي يوم أو يومين أو ثلاث، لكن الأقرب للسنة يوم واحد، ووليمة واحدة.
والمقصود إجابة الدعوة إذا لم يكن هناك منكر.
والدعوة لمن سبق: فإذا دعاك داعيان في يوم واحد، أو في أيام مختلفة، فقدم الذي سبق إلي دعوتك، واعتذر للثاني ، وقل له: سبقك فلان بالدعوة ، فإذا تساوي أهل الدعوة ، فالأقرب منهم الأولي بالإجابة، وذوي الأرحام أولي بك بإجابة دعوتهم من الجيران إذا دعوك سوياً.
وإذا كان هناك منكر فليس عليه أن يحضر ـ كما سبق ـ إلا إذا علم أن في حضوره منعاً للمنكر ، أو حداً منه ، فله أن يحضر.
***
ثالثا: الدين النصيحة
-وجوب النصيحة:
أما قوله صلي الله عليه وسلم في الحديث : (( وإذا استنصحك فانصح له)). فهذا أدب ثالث يبينه عليه الصلاة والسلام لنا، وهو شعار المحبة، وهو الواجب الشرعي علينا بعضنا لبعض.
فالنصيحة واجبة عند أهل العلم، وقد قال صلي الله عليه وسلم كما عند مسلم. : (( الدين النصيحة ، فقلنا: لمن؟ قال : لله ولكتابه، ولرسوله، ولأئمة المسلمين وعامتهم)).
وقد قال صلي الله عليه وسلم كما في الصحيحين ، وهذا من باب النصيحة : (( انصر أخاك ظالماً أو مظلوماً، قلنا: يا رسول الله، ننصره مظلوماً، فكيف ننصره ظالماً؟ قال : ترده عن الباطل فإن ذلك نصره)).
فالواجب علينا أن نتناصح فيما بيننا ، والإنسان لا يسلم من الخطأ والنسيان، ونحن جميعاً يعترينا النقص والخطأ في كثير من تصرفاتنا، لأن العصمة لرسول الهدى عليه الصلاة والسلام، فالواجب علي الأخ إذا رأي أخاه قد أخطأ في مسألة، أو في اجتهاد أو في تصرف، أو في أسلوب، أن يذهب إليه وينصحه، ولن يجد الناصح إلا الحب والدعاء والبشر والاستقبال الحسن. يقول علي ـ رضي الله عنه ـ : (( المؤمنون نصحة، والمنافقون غششة)).
فإذا رأيت الإنسان ينتقد إخوانه وينالهم في المجالس، ويتعرض لأعراضهم، ثم لا ينصحهم في وجوههم، فأعلم أنه غاش لله ولرسوله صلي الله عليه وسلم وللمؤمنين.
ومن علامة المؤمن إذا أراد أن يقوم أخاه أن يذهب إليه، ويأخذه علي حدة، وينصحه ويوجهه، ويحن عليه، ويتعاطف معه، ويتلطف به حتى يقومه إن كان يريد النصح حقاً، وإن كان يريد التشهير بأخيه المسلم فالله يتولاه، والله حسيبه، والله من رواء قصده.
وقد ذكر الله ـ عز وجل ـ في كتابه طريقة الأنبياء في الدعوة، وأنها قامت علي النصيحة، فهذا نوح عليه السلام يقول لقومه: (أُبَلِّغُكُمْ رِسَالاتِ رَبِّي وَأَنْصَحُ لَكُمْ )(لأعراف: الآية62) فهؤلاء هم أنبياء الله ـ عز وجل ـ وصفوة خلقهن ومن تشبه بقوم فهو منهم.
-آداب النصيحة:
للنصيحة آداب ثلاثة: الأول: الإخلاص، الثاني اللين ، والثالث: الإسرار بها.
وكثيرا ما يخطي العبد، فنحن لسنا معصومين من الخطأ ، وغني اكرر ذلك ليعلم الناصح أن الخطأ والنسيان شيء عادي مركوز في أصل الجبلة، فلا يتعصب في نصيحته. يقول الشاعر:
من ذا الــــذي ما ساء قط
ومـــن لــه الحسنى فقط
ويقول الآخر:
تــريد مهذباً لا عيب فيه
وهل عودة يفوح بلا دخـــــان!!
ويقول ثالث:
ولســـت بمستبق أخاً لا تلمه
علي شعث أي الرجال المهذب؟!
ويقول رابع:
من ذا الذي ترضي سجاياه كلها
كفي المرء نبلاً أن تعد معايبه
وإن الإسرار بالنصيحة من هديه صلي الله عليه وسلم فإن النصيحة علي رءوس الأشهاد فضيحة.
قال الشاعر:
تغمدني بنصحك في انفراد
وجنبني النصيحة في الجماعة
فإن النصح بين الناس نوع
من التوبيخ لا أرضي استماعه
فإن خالفتني وعصيت أمري
فلا تجزع إذا لم تلق طاعــه
وكان عمر ـ رضي الله عنه ـ يقول: (( رحم الله امرأً أهدي إلي عيوبي، وكان يستمع للصحابة وهم ينصحونه)).
***