السلام عليكم ورحمة الله وبركاته
بسم الله الرحمن الرحيم والحمد لله رب العالمين ..
سيكون هذا الموضوع موضوعاً شاملاً عن التوبة وكل ما يندرج تحت هذه الكلمة ..
وسيكون مقسماً بشكل عنوان وموضوعه أسفله ، لذا يمكنكم نقل محتويات هذا الموضوع بشكل مقسم كما تريدون ونشرها في المجموعات العربية أو المنتديات العربية وما إلى ذلك ..
وأدعو الله أن يوفقنا و أن يجعل هذا العمل سبباً من أسباب دخولنا الجنة .. اللهم آمين
ويمكنكم تحميل الملف لقراءة الموضوع ببرنامج الوورد بكل يسر وسهوله ..
للتحميل ::
-=-=-=-=-=-=-=-=-=-=-=-=-=-=-
ما معنى تائب ؟
تائب يعني راجع .. يعني عائد إلى الله بكل قوتي .. بكل إمكانياتي .. تائب إليك يا الله .. راجع لك يا رب بعد طول غياب .
راجع بعد طول تخبط في ظلمات الذنوب الموحشة ..
ربما في البداية يقول أحد الناس : وماذا نعمل نحن ؟! نعيش بطريقة سليمة والحياة مستقرة .. لكنني أقول : إننا نقع في معاصٍ كثيرة ولا نشعر بخطورة ذلك ، بل أستطيع أن أقول أن هناك أناس كثيرون حولنا ومعنا يقعون في كبائر ... وأعر أن هذا اتهام خطير ... لكنها الحقيقة ..
فشباب كُثُر يقعون في عقوق الوالدين ، وعقوق الوالدين أليس كبيرة ؟ إياكم أن تنسوا أن عقوق الوالدين هو الكبيرة الرابعة في الإسلام ... أليست دمعة الأم الغضبانة مما يسبب غضب الله غضباً شديداً ؟ والأب الذي عجز عن تربية أبنائه ...
وخصوصاً ابنه الذي يرسب في الكلية أو يُدخن المخدرات .. أو الأم التي تبكي دوماً بسبب البنت المصاحبة لشاب دون علم أهلها .. أليست كل هذه الأمور تحتاج إلى توبة؟
أليست هذه الأمور من الكبائر ؟ ...
ألا تعرف أن غضب أمك وأبيك يمكن أن يكون أثقل في الميزان من كافة السيئات ، بل من آلاف الذنوب التي فعلتها في سنة أو اثنتين أو ثلاثة؟ إذاً نحن لدينا كبائر تحتاج منا لتوبة .. قد لا تكون ممن يشرب الخمر أو لا تكون ممن يزني ، لكن عقوق الوالدين من الكبائر ..
إذا فأنت تحتاج إلى توبة ..
كم رأينا من أناس يصلون في رمضان ثم يتركون الصلاة بعد رمضان ، وكم منهم غير منتظم في صلاته حتى في رمضان ، وكم منهم لم يصلِ الفجر منذ عشرين عاماً .. أليس الفجر من الفرائض؟ هل تعرف أن ترك الصلاة من أكبر الكبائر التي تغضب الله عز وجل ، وأنها عماد الدين ومن هدمها هدم الدين؟ كارثة الاستخفاف بترك الصلاة ..
فهنا باب في جهنم اسمه : ( سقر ) . يقول عنه تبارك وتعالى : { ما سَلَكَكُم في سَقَر ، قالوا لم نَكُ من المصلين ، ولم نَكُ نُطعِمُ المسكين ، وكنّا نَخوضُ معَ الخائِضين ، وكنا نُكذِّبُ بيومِ الدين ، حتّى أتانا اليَقين } [ المدثر : 42 – 47 ] .
يقول الله تعالى عنها إنها لا تترك أحداً .. كل من يدخل فيها تسيح خلاياه .. يتفتت تماماً ثم يتكون من جديد ثم يتفتت وهكذا .. { ما تَذَرُ مِن شيءٍ أتَت عَلَيهِ إلا جَعَلَتهُ كالرّميم } [ الذاريات : 42 ]
أمر فظيع ، والملائكة الذين يقفون على الباب يسألون الداخلين : ما الذي أدخلكم؟ ... وكأنهم يشفقون على الداخلين .. فيجيبونهم أنهم لم يكونوا من المصلين ..
وإذا أكرمك الله بترك الكبائر .. فانظر إلى ما تعتبره من الصغائر ... آلاف الصغائر كل يوم .. تخيل كم نظرة حرام في الأسبوع الماضي ، والسيدات والفتيات كمكلمة غيبة قالتها الواحدة منهن في التليفون مثلاً .. طبعاً لا أقول ذلك حتى أضايقكم ، أو أقول أننا ضائعون تماماً ..
لكن حتى نشعر بجمال التوبة لا بد أن نشعر بقُبح الذنب .. فلا بد حتى نتوب أن تكون البداية موجعة بعض الشيء ..
يا ترى لوكل ليلة أحضرت ورقتين إحداهما للكلام الحسن والأخرى للقبيح من كلامك في يوم الذي مضى .. يا ترى كم كلمة ستكتب في كفة الحسنات ، وكم في كفة السيئات ؟ وكيف ستكون نتيجة اليوم ؟ ستكون طائعاً لله أم عاصياً له ؟
ستجد بلا شك آلا الذنوب ، إذاً فنحن نحتاج بشدة إلى التوبة .
أحد التابعين وهو : سفيان الثوري قال كلمة جميلة جداً، قال : جلست يوماً أعد ذنوبي - انظروا إلى اهتمامات الرجل بمستقبله ، فالمستقبل ليس أولاداً وزوجة وأموالاً ، لكن المستقبل جنة ونار-
يقول : جلست يوماً أعد ذنوبي فعددتها ، إذا هي واحد وعشرون ألف ذنب – وهو تابعي جليل – فقال لنفسه : أتلقي ربك يا سفيان بواحد وعشرين ألف ذنب يسألك عن كل ذنب فيها ؟ ...
هذا تابعي جليل ممن تعايش مع جيل الصحابة .. فتخيل نفسك في هذا الموقف ..
فنحن ذنوبنا كثير جداً .. وأحياناً يوُضع في كفة السيئات ذنب كبيرا جداً ، دون أن ننتبه له ، ونقوم به ببساطة .. يعلو صوتك على أمك أو تتأفف لأبيك .. تعمل كوارث وتسبب مصائب .. إذاً نحن نحتاج أن نتوب أن أفعال كثيرة جداً .. نحتاج أن نتوب عن نسيان تلك النعم التي تغمرنا ، وتتنزل علينا من ربنا ولم نشكره عليها ... لأنه في نفس الوقت هناك أناس لا يجدونها .. أليس عدم شكر النعمة يحتاج إلى توبة ؟ ..
نحن نحتاج أن نتوب عن غفلتنا – الناس التائهة عن الله منذ عشرين أو ثلاثين عاماً – لأن من يقترف المعاصي يمكن أن يتركها ، ومن يأتي الكبائر ربما يُقلع عنها .. لكن الغافل اللاهي عن الله الذي نسي قوله تعال : { وما خلقتُ الجِنَّ والإنسَ إلا لِيَعبدون } [ الذاريات : 56 ]
فالغفلة أشد من المعاصي وتحتاج إلى توبة سريعة وجادة ...
كلنا واقعون في ذنوب تعيق مسيرتنا إلى الله .. وما أبرئ نفسي .. فنحن كلنا لدينا ذنوب ...
تعالوا أحكي لكم ماذا يقول الله عنا ؟ وكيف ينادينا ؟
يقول تبارك وتعالى : { قُل يا عباديَ الذينَ أَسرَفوا عَلى أَنفُسِهِم لا تَقنَطوا من رحمةِ الله إنَّ اللهَ يَغفِرُ الذنوبَ جَميعا إنه هوَ الغفورُ الرَّحيم ، وأَنيبوا إلى ربِّكُم وأسلِموا لهُ مِن قَبلِ أن يَأتِيَكُمُ العَذابُ ثمَّ لا تُنصَرون } [ الزمر : 53 ، 54 ]
بعد هذه " الكآبة " التي بدأنا بها وتذكُّر ذنوبنا وتقصيرنا يأتي الفرج من الله ...
صدق أو لا تصدق! ذنوب عشرين عاماً أو أكثر تغفر في لحظة!
{ وأنيبوا إلى رَبِّكُم .. } أسلموا لله .. استسلموا له .. قفوا مع أنفسكم وعودوا .. والسؤال ..ماذا يريد الله منا ؟
{ واللهُ يُريدُ أن يَتوبَ عَلَيكُم } [ النساء : 27 ] وانظر أيضاً إلى قوله بعـدهـا { يُريدُ أن يُخفِّفَ عَنكم وخُلِقَ الإنسانُ ضَعيفاً } [ النساء : 28 ] لأنك لو لم تتب ستكون الوقفة ثقيلة جداً يوم القيامة ، والله يريد التخفيف عنا نحن الضعفاء .. وتأمل قوله تعالى : { والذينَ لا يَدعونَ معَ اللهِ إلهاً آخرَ ولا يقتُلونَ النفسَ التي حَرَّمّ اللهُ إلا بالحقِّ ولا يَزنونَ ومن يفعل ذلكَ يلقَ أثاماً ، يُضاعَف لهُ العذابُ يومَ القايمةِ ويَخلُد فيهِ مُهانا ، إلا من تابَ وآمنَ وعَمِلَ عَمَلاً صالِحاً فأولئِكَ يُبدِّلُ اللهُ سيئاتِهِم حسناتٍ وكانَ اللهُ غَفوراً رحيماً } [ الفرقان : 68-70]
وتجد اللهجة القرآنية قد أصبحت عنيفة عند الحديث حول الزنا - والعياذ بالله - وتبدأ اللهجة تتغير تماماً عند الحديث عن التوبة .. يعني ليس فقط أن يغفر لنا ويمحو السيئات – وهذا ما لا ندركه وننساه – لكن يبدل هذه السيئات إلى حسنات ... يعني لو تبتُ بدأت أتوب أعمل الصالحات تتحول السيئات إلى حسنات ... يعني لو مضى على أحدهم خمس سنوات لم يقرب خلالها الصلاة ، وتاب هذه اللحظة بمجرد انتظامه في الصلاة وأداء بعض السنن تُغفر له هذه السنوات الخمسة ،بل إن سيئات السنوات الخمس السابقة تتحول إلى حسنات .. ! ( بالتأكيد مع ثبات حق الله تعالى في قضاء الفائت .. إنما إثم تركها قد هُدم !) .
ما كل هذا الكرم يارب !! سبحانك ..
ونبيك صلى الله عليه وسلم يتحدث عن التوبة ..
ويحكي لك قصة إنسان لطيف جداً سيأتي يوم القيامة فيأمر الله تعالى الملائكة أن يُنحّو عن كبائر ذنوبه ، ثم يقول له تبارك وتعالى : اقرأ كتابك يا عبدي ، فيقرأ الكتاب فيجد سيئات لا تُحصى ولا تُعد ، فيظن أنه هالك ويسود وجهه ، فيقول له الله تبارك وتعالى : اقرأ كتابك مرة أخرى يا عبدي ، ألم تكن قد تبت فيتذكر فيقول : بلى يا رب قد تبت .. قد تبت يا رب ، فيقرأ فإذا السيئة قد قلبت حسنة .. فيُكلم العبد ربه ويقول : يا رب إن لي ذنوباً أخرى نسيت الملائكة أن تكتبها وأنا أعرفها جيداً ! .. حتى أن النبي صلى الله عليه وسلم وهو يحكيها ضحك وبانت نواجذه الشريفة صلى الله عليه وسلم ..
أرأيتم التوبة وجمالها .. وكم هي رائعة؟ ..
وتأمل قول النبي صلى الله عليه وسلم وهو يقول : (( يا أيها الناس توبوا إلى الله واستغفروه ، فإني أتوب إلى الله وأستغفره في كل يوم مائة مرة )) ..
رسول الله يتوب في اليوم مائة مرة ، وأنت لك عشرة سنين لم تتب مرة واحدة ، الرسول المعصوم !! وأنت العبد الخطّاء !! ..
عن ابن عمر قال : إن كُنَّا لَنَعُد لِرسولِ الله صلى الله عليه وسلم في المجلسِ الواحدِ مائة مرةٍ : (( رب اغفر لي وتب عليَّ ، إنك أنت التواب الرحيم )) [ رواه الترمذي وأبو داود ]
يتكلم النبي صلى الله عليه وسلم مع الصحابة ثم يصمت قليلاً فيسمعه الصحابة يقول : أستغفر الله وأتوب إليه .. أستغفر الله وأتوب إليه .. ثم يتكلم قليلاً ثم يصمت ليستغفر الله ويتوب إليه مرة ثانية ..
واسمع قول النبي صلى الله عليه وسلم عن أبي موسى رضي الله عنه ، عن النبي صلى الله عليه وسلم قال : (( إن الله عز وجل يبسط يده بالليل ، ليتوب مسيء بالنهار ، ويبسط يده بالنهار ، ليتوب مسيء بالليل ، حتى تطلع الشمس من مغربها )) [ رواه مسلم ] ..
من الذي يبسط يده؟؟ المحتاج .. ومن يحتاج؟ العبد ، ولكن كرم الله أنه يبسط يده للعبد .. واسمع قول النبي صلى الله عليه وسلم : (( يتنزل ربنا تبارك وتعالى إلى السماء الدنيا في الثلث الأخير من الليل فينادي : هل من تائب فأتوب عليه؟ .. هل من مستغفر فأغفر له )) .
الله جل جلاله هو الذي يعرف علينا كل يوم قبل الفجر بثلاث ساعات ونص تقريباً ...
وتخيل أن الرسول صلى الله عليه وسلم يخبرنا أن الله يفرح بتوبة عبده .. تخيل أنك عاصٍ له منذ سنين وترتكب ذنوباً كبيرة .. ثم جاء يوم تقول فيه :
يـا رب تبت ولن أعود للذنب .. فيفرح الله بهذه التوبة ..
قصص من الواقع
آية هزت كيان عبد الرحمن ..
اسمي عبد الرحمن ، طالب في كلية الحقوق الفرقة الثالثة ..
أسكن في منطقة شعبية ، وكنت أحب الرياضة جداً وأهلي كانوا يشجعونني عليها دائماً.. ونظراً لطولي الشديد كانت أمنيتي أن أكون لاعب كرة سلة وكنت أحلم بالنجومية .. لكن ما حدث أنني حين ذهبت إلى أحد النوادي الكبيرة ، كان المعيار الأساسي أن فلاناً جاء من منطقة شعبية ، وأنه ليس من مستوانا ، وأشياء من هذا القبيل ..
طبعاً هذا أثر علي جداً ، أصبحت كل أمنيتي أن أصبح مثل هؤلاء في نفس مستواهم ، طبعاً بدأت أذهب للمعمورة وأقابل شباباً وبنات .. وبدأنا نخرج ونتسابق بالسيارات ... تفلت شديد .. وتدخين.. ومرة واحد من الأصحاب عزم علي بسيجارة ، طبعاً كانت سيجارة غير عادية .. بدأت معها التعاطي والأشياء الأخرى .. دخلت الكلية ووجدت المجتمع الغريب .. يعني كأن الشباب لا يهمه التعليم .. كل ما يهمه هو عرض الأزياء والخروج والسهر وهكذا ..
وطبعاً كنت أبكي لأنه ليس معي أموال لأشتري مثلهم أو أخرج مثلهم .. خاصة أنني تعرفت على فتاتان تعملان في مجال عرض الأزياء .. ومن هنا كانت بداية الانحدار؛ لأنني أحببت أن أجاريهم .. فبدأت أفكر كيف أحصل على المال؟ وكان هذا هو كل همي .. فبدأت أتعرف على شباب من هذا المستوى : ضائعة وهمها الوحيد المظاهر وجمع المال..
وصاحبت أحد هؤلاء .. وعرفت عليه أفكاري تجاه المال ، فقال لي أنه مثلي تماما لكنه يعرف كيف يحصل على المال وخلافه .. وأنا كنت أمارس رياضة الأجسام وجسمي قوي وشكلي مميز ، فبدأ يعرفني على أناس أغنياء جداً باعتباري رياضياً وحماية لهم من أي شيء ، فبدأت أحضر ((قعدات)) لم أكن أتخيلها ولا أحلم بها .. شرب خمور . وتعاطيت المخدرات لمدة ثلاث سنوات .. صحتي بدأت تتعب تدريجياً .. ووجدت شيئا غريباً جداً، بدأت الخلافات مع كل هؤلاء الناس .. حتى أن ملابسي التي كنت أتباهى بها بدأت تُقطع بشكل غريب ، وكل يوم هناك شيء يُقطع .. وشيء لا يمكن إصلاحه .
وفي أحد الأيام وأنا جالس في بيتنا الساعة الثالثة صباحاً بدأت أنظر إلى جدران بيتنا وأقول : لماذا تكبرت على هذه العيشة؟ هذا المكان الذي تربيت فيه .. اشتقت جداً لهذا الجو البسيط : جو الأسرة والأهل .. فبدأت أنهار وأسأل نفسي سؤال .. لماذا خلقتني يارب؟! والله في هذه اللحظه - أقسم على ذلك – أكرمني بصوت راديو يأتي من بعيد فسمعت آية هزت كياني كله .. وهي تقول : { وما خَلَقتُ الجِنَّ والإِنسَ إلا لِيعبدون } [ الذاريات : 56 ] . فما وجدت نفسي إلى وأنا أسجد ، لم أملك إلا ذلك .. وبكيت بكاءً شديداً وربما لم أقم من هذه السجدة إلى بعد الفجر .. وقمت فاغتسلت وتوضأت ، فشعرت بإحساس عجيب جداً ، أحسست أنني عطشان لرضى الله سبحانه وتعالى ، وعرفت لماذا كنت أشعر بالضيق وكأنني مخنوق ؛ لأنني أكيد كنت أحتاج لله سبحانه وتعالى ، وكنت بعيداً عنه ..
هذه اللحظة شعرت بأن النور بدأ يدخل حياتي .. وبدأت آخذ عهداً على نفسي أني لو فعلت ذنباً سأرد عليه بطاعة الله عز وجل .. يعني : لو أخطأت ودخنت سيجارة أصوم يوماً .. فشعرت كأنني أبني شخصيتي من جديد ، وأقوي عزيمتي .. وأنا لي حوالي عامين أعيش حياة جديدة ، لا أريد أن أبتعد عن المسجد ، وأدعو الله أن يثبتني على الطريق ..
سبحان الله .. العلماء لهم كلمة جميلة جداً يقولون : كما أن البطن تجوع للأكل ، فالروح تجوع إلى حب الله وتشتاق إليه .. وعبد الرحمن عبر عنها بكلمته : عطشان لرضى الله .. وللعودة لله تبارك وتعالى .. هذه هي التوبة فعلاً ..
ما شعور عبد الرحمن في الأيام الأولى للعودة إلى الله؟
أول إحساس شعرت به أنني أريد أن أموت ؛ لأنني لا أستحق الحياة أبداً .. وذلك لشدة ندمي .. وشعرت أن حياتي السابقة لم يكن فيها متعة أبداً .. رغم أنني كنت أظن أنني أستمتع بحياتي .. فلما سمعت الآية - ولا أصدق حتى الآن كيف سمعتها - وجدت في نفسي الهمة والعزيمة أن أعوض كل ما فاتني .. أعوض حياتي مع الله سبحانه وتعالى .. كأنني كنت أفتقد النبي صلى الله عليه وسلم ، أنا كنت أعتقد أن لي شخصية قوية جداً كإنسان رياضي وجسمي مميز وطويل ، وألعب كمال الأجسام .. فكأنني لو نظرت لشخص سيخاف مني ، وأنني لو نظرت إلى بنت ستتمنى أن أكلمها .. لكن الحقيقة أنني كنت ضعيفاً من داخلي ، يعني لم أكن أستطيع التعامل مع نفسي أو إيقافها عند حدها أو مخالفتها .. لم يكن لدي التصميم أو العزيمة التي تمكنني من ذلك .. لكن بعد العودة لله ... اكتشفت نفسي كالطفل الصغير المدلل الذي أفسده أهله ، فقلت : لابد أن أربي هذا الطفل وأعوده على أشياء لا يفهمها .. فبدأت أقول : سأصوم غداً مثلاً ، فيبدأ الطفل داخلي يصرخ .. كيف ستصوم وأنت لديك عمل أو دراسة أو كذا ؟ لكنني كنت لا أطاوعه ، وأعرف أنه كلما صرخ كلما كان في هذا العمل خير ، فكنت أصر على الطاعات لدرجة أنني اكتشفت في نفسي أشياء كثيرة لم أكن أعرفها عن نفسي ، وهي قوة داخلية كبيرة ، والحمد لله ...
الحقيقة وعبد الرحمن يعرف تجربته شعرت أن قلبي فيه طمأنينة وراحة وبرد .. من أثر تفكري في عظم رحمة الله .. وتذكرت أثراً ...
أوحى الله تبارك وتعالى إلى داود يقول : (( يا داود ، لو يعلم المدبرون عن شوقي لعودتهم ورغبتي في توبتهم لذابوا شوقاً إلي ، يا داود هذه رغبتي في المدبرين عني فكيف محبتي للمقبلين علي .. ))
فنحن أحياناً لا نرد كيف يحب الله عودتنا .. ونموذج عبد الرحمن يؤكد على كرمه سبحانه وتعالى .. يعني : كانت حياته كلها مشاكل .. وأنا متأكد أن وجهه اختلف كثيراً جداً بعد الهداية .. بل كل شيء صار أجمل وأشد سعادة ..
ركعتي التوبة ..
تروي قصتها وتقول :
لي قصة مع التوبة : أنني كنت دائما ما أتشاجر مع والديّ وأختلف معهم ، وصوتي يعلو عليهم ، فلما عرفت أن غضب الوالدين من الكبائر ، وأن كل ما أقوم به من أعمال صالحة وحسنات تذهب بمجرد نظرة غضب لأمي أو أبي ...
عقدت العزم على عدم العودة لهذا الأمر أبداً ، وكنت كلما غضبت أتوضأ وأصلي ركعتي توبة ، وأعود إلى الله لعله يقوي أعصابي ، وفعلاً كان قلبي دائماً يؤلمني من داخله ، حتى أصبحت والحمد لله لا أستطيع أبداً أن أرفع صوتي أمامهم ، كأن الله نزعها من صدري تماماً ، وحتى شعر أن الأمر ليس نجاحاً مني ، وإنما جاء من عند الله ..
جميل هذا الأمر ، وأريد أن آخذ من هذا الكلام موضوع ركعتي التوبة هذا .. لأن النبي صلى الله عليه وسلم يقول : (( ما من مسلم يذنب ذنباً ، ثم يصلي ركعتين ، ثم يستغفر الله لذلك الذنب إلا غفر له )) [ رواه الإمام أحمد في (( مسنده )) عن أبي بكر ] .
البعض حينما يسمع حديثاً قدسياً أو آية تتكلم عن التوبة وحب الله لعبيده لا يُصدِّق أن ذنوبه كلها يمكن أن تغفر بسهولة إذا تاب ..
بالفعل الناس غير مدركة أن ذنوبَ عشرين عاماً يمكن أن تُغفر في لحظه واحدة ..وأنا أقسم لك أن ذلك ممكن بسهولة .
وانظر إلى الحديث القدسي الرابع : عن أبي ذر رضي الله عنه قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول الله عز وجل : (( من عمل حسنة فله عشرة أمثالها أو أزيد ، ومن عمل سيئة فجزاؤها مثلها أو أغفر ، ومن عمل قراب الأرض خطيئة ، ثم لقيني لا يُشرك بي شيئا ، جعلت له مثلها مغفرة ، ومن اقتر إلىَّ شبراً اقتربت إليه ذراعاً ، ومن اقترب إليَّ ذراعاً اقتربت إليه باعاً ، ومن أتاني يمشي أتيته هرولة )) . [ مسند الإمام أحمد ] .
وأحد الناس ، أيام النبي صلى الله عليه وسلم لم يكن يصدق ، فقال له : يا رسول الله ، إني رجل كثير الغدرات –كثير الغدر مع الله .. هو وصاني وأمرني لكنني غدرت – كثير الفجرات ،فقال له النبي صلى الله عليه وسلم : (( تب )) قال : ويغفر لي غدراتي وفجراتي؟ قال : (( نعم )) فانطلق الرجل يجري .. وهو يقول : الله أكبر الذي يغفر لي غدراتي وفجراتي ..
تنبيه : إذا لم تصدق أنه يتوب عليك فأنت تنكر صفة من صفاته ، أليس من صفاته التواب ؟ يعني لو شككت في الأمر ، فكأنك تشك أن التواب صفة من صفات الله تعالى .. إذاً هذه معصية أن تشك أن الله سيغفر لك ..
إذا الشيطان يضحك عليك ويوقعك في معصية شديدة .. ولذا يقولون لك وأنت نازل من عرفة في الحج : إياك أن تقول : أشعر أن الله لم يغفر لي ؛ لأن هذا سيكون أول ذنب بعد المغفرة ..
حلم واستغاثة
أنا كنت غير مواظبة على الصلاة .. يعني لو شاهدت برنامجاً دينياً أو شيئاً من هذا القبيل فأنتظم
يومين ثم أقطع مرة أخرى؛ حتى تزوجت ، فكانت إحدى قريبات زوجي تكلمني عن الصلاة ولكني ظللت أصلي أحياناً وأدع الصلاة أحياناً .. حتى حلمت في نومي أن النار اشتعلت في جسمي وجريت على قريبتي هذه أستغيث بها .. وانتهى الحلم لكن في المرة التالية التي حدثتني عن الصلاة وجدت نفسي أذهب فوراً وأصلي ، وربنا سبحانه وتعالى سهّل لي درب الذهاب إلى المسجد والصلاة فيه ، وكان أول دخولي المسجد في صلاة العشاء والحمد لله حتى الآن لم أنقطع أبداً عنه ..
كنت أريد لفت النظر إلى أمر هام وهو التعجيل بالتوبة ؛ لأن كثيرين جداً ممن يقيمون على الذنب يقول : إن شاء الله قريباً سأتوب.. قريباً .. فكيف تقول ذلك؟ .. الأجل غير معلوم .. لذلك علينا أن نُعجّل بالتوبة ..
توبة عظيمة
ونذكر هنا نموذجاً لتوبة الرعيل الأول من هذه الأمة ، صحابة رسول الله صلى الله عليه وسلم .
عن بريدة ( رضي الله عنه ) : أن ماعزَ بن مالك الأسلمي أتى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال : (( يا رسول الله إني قد ظلمتُ نفسي وزنيت ، وإني أريد أن تطهرني فردّه . فلما كان من الغدِ أتاه ، فقال : يا رسول الله إني قد زنيتُ فردّه ثانية ، فأرسل رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى قومه ، فقال : ( أتعلمون بعقله بأسا ؟ تنكرون منه شيئا ؟ ) قالوا : ما نعلمه إلا وفيّ العقل ، من صالحينا فيما نرى ، فأتاه الثالثة . فأرسل إليهم أيضا ، فسأل عنه فأخبروه أنه لا بأس به ولا بعقله . فلما كان الرابعة حفر له حفرة ، ثم أمر به فرُجم )) . قال جاءت الغامدية ، فقالت : (( يا رسول الله إني قدر زنيت فطهرني ، وإنه ردّها ، فلما كان الغد ، قالت : يا رسول الله لِمَ تردني؟ لعلك أن تردني كما رددت ماعزاً ، فوالله إني لحبلى ، قال : ( أما لا ، فاذهبي حتى تلدي ) . قال : فلما ولدت أتته بالصبي في خرقة ، قالت : هذا قد ولدته . قال : ( اذهبي فأرضعيه حتى تفطميه ) . فلما فطمته أتته بالصبي وفي يده كسرة خبز ، فقالت : هذا يا رسول الله قد فطمته ، وقد أكل الطعام ، فدفع الصبي إلى رجل من المسلمين . ثم أمر بها فحفر لها إلى صدرها ، وأمر الناس فرجموها . فيقبل خالد بن الوليد بحجر فرمى رأسها فتنضح الدم على وجه خالد فسبّها . فسمع نبي الله سبه إياها ، فقالت : ( مهلا يا خالد ! فوالذي نفسي بيده لقد تابت توبة لو تابها صاحب مكس لغفر له ) ثم أمر بها فصلى عليها ودفنت )) ..
وفي رواية فقال عمر يا رسول الله رجمتها ثم تصلي عليها ! فقال : ( لقد تابت توبة لو قُسِّمت بين سبعين من أهل المدينة وسعتهم ، وهل وجدت شيئاً أفضل من أن جادت بنفسها لله عز وجل ) ..
الله أكبر وأين نحن من هذه التوبة العظيمة ..؟؟ ، كم من الذنوب نقترف ونكتمها ونبتسم وكأن شيئا لم يكن ، أين هي خشية الله ؟؟ وأين هو ذلك القلب ألا يشعر بالذنب ..؟؟
---------------------------------------------------------------------
إعداد أختكم في الله
بنت الراحل الباقي
لا تنسوني من دعواتكم