فقه الإمام
يستمد الإمام أحمد بن حنبل فقهه من منابع الدين الأصيلة ، وللإمام أحمد بن حنبل في فقهه خمس مصادر :
1. كتاب الله تعالى : متعمداً على الآية الكريمة { ما فَرَّطنا في الكِتاب مِن شَيء } [ الأنعام : 38 ] .
2. السنة النبوية المطهرة : معتمداً على الآيات الكريمات { فَإن تَنازَعتُم في شَيءٍ فَرُدُّوهُ إلى اللهِ والرَّسولِ } [ النساء : 59 ] وقوله : { وَمآ ءاتاكُمُ الرَّسولُ فَخُذوهُ وما نَهاكُم عَنهُ فَانتَهوا } [ الحشر : 7 ] هذا وقد كان الإمام أحمد مقبلاً على السنة النبوية حفياً بها ، والسنة هي بيان للقرآن الكريم وتفسير لأحكامه ، فلم يكن غريباً أن يجعل ابن حنبل القرآن والسنة في طليعة المصادر التي يستمد منها فقهه ، فهو لا يتصور وقوع خلاف بين القرآن الكريم والسنة النبوية المطهرة ، ولذلك نجد الإمام أحمد بن حنبل يرد على من أخذ بظاهر القرآن الكريم وترك السنة النبوية المطهرة فيقول : إن الله جل ثناؤه ، وتقدست أسماؤه ، بعث محمداً بالهدى ودين الحق ليظهره على الدين كله ولو كره المشركون ، وأنزل عليه كتابه بالهدى والنور لمن اتبعه ، وجعل رسوله الدال على ما أراد من ظاهره وباطنه وخاصة وعامه وناسخه ومنسوخه ، فكان رسول الله صلى الله عليه وسلم هو المعبّر عن كتاب الله الدال على معانيه .
3. إجماع أهل العصر من العلماء أهل العقد والحل إذا لم يختلفوا ، فإن خالف بعضهم ولو كان واحداً ، لم يكن إجماعاً ، وإذا انتشر القول عن بعضهم وعلمهم جميعهم فلم ينكروا شيئاً منه فهو إجماع .
4. قول الواحد من الصحابة إذا انتشر ولم يُعرَف له منكر ينكره عليه .
5. القياس وهو الذي يرد الشيء إلى نظيره بعلة تجمع بين أصله وفرعه ، فإذا انعدم ذلك فلا قياس ، ولابد للقياس من أن يكون عن طريق الشبه والمقاربة حتى يكون له علة صحيحة تجمع بين الأصل والفرع .
إذا فالقياس عند الإمام أحمد بن حنبل في الأدلة بمنزلة الميتة مع الضرورة ، والتراب في التيمم ، وغيره عند عدم وجود الماء ، وكان الإمام أحمد بن حنبل يرفض الأخذ بالاستحسان وقد كان رضي الله عنه يتجنب الشبهات بحرص وحذر ، ويلتزم بالنص الوارد ويتقيد به بلا تصرف ، والسبب في شدته هذه أنه كان ورعاً يشدد على نفسه ، ويفرض عليها ما لا يفرض على سواها حتى راح الناس يقولون لمن يلتزم بأمور دينه (( أنت حنبلي )) وهي عبارة يُعرفُ من ظاهرها أن الإمام أحمد بن حنبل كان متشدداً ولا يتهاون في أمر من أمور الدين . وليس معنى ذلك أن نبتعد عن مذهب الإمام أحمد لا ، فإن في المذهب الآراء والأقوال القيمة التي تُنبَئُ عن فهم الإمام الواعي للدين .
وكان الإمام أحمد رضي الله عنه يشترط للمفتي الذي ينصب نفسه مفتياً شروطاً وهي كما يلي :
· شروط المفتي عند الإمام أحمد :
1. أن تكون له نية مخلصة ، فإن لم تتحقق عنده هذه النية ، لم يكن عليه نور ولا لكلامه نور .
2. أن يكون ذا علم وحلم ووقار وسكينة .
3. أن يكون قوياً على ما يتعرض له ، عارفاً به .
4. أن يكون كفأَ تتوافر فيه الكفاية ، وإلا مضغه الناس .
5. أن يكون على دراية بالناس ومعرفة لأحوالهم .
6. أن يكون عالماً بوجوه القرآن الكريم ، عالماً بالسنن ، عالماً بالأسانيد الصحيحة .
وهذا وقد كان الإمام أحمد صاحب حقائق علمية يتبعها ويتقيد بها لا صاحب تخيلات . وكان لا يعجبه القصّاصون الملفقون الذين لا يتورعون عن الكذب ، فذات يوم دخل مسجد المنصور ببغداد وكان معه يحيى بن معين فوجد رجلاً قصاصاً يقول : حدثني أحمد بن حنبل ويحيى بن معين بكذا وكذا ، وذكر قصة مكذوبة ، فنظر الإمام أحمد إلى يحيى وقال له : هل حدَّثته بهذا؟ فأجاب يحيى : لا ، ثم اتجه إليه وقال له : أنا أحمد بن حنبل وهذا يحيى بن معين فمتى حدثناك بهذا؟
فكان القصاص وقحاَ في رده فقال : ما زلت أسمع بحماقتكما حتى رأيتكما !
ألا يوجد في الدنيا أحمد بن حنبل ويحيى بن معين غيركما ؟
الحاصل : أن الإمام أحمد كان يكره أن يزيد أو ينقص من الروايات ، وكان صاحب فقه له مصادر شرعية . لذا انتشر فقهه ومذهبه وعمل به حتى عصرنا الحالي في أرض الحجاز وغيرها مما يدل على قوة مذهبه وسيره على المنهج الصحيح والأصول السليمة ..
من كتاب الأئمة الأربعة
لا تنسوني من دعواتكم
بنت الراحل الباقي