حدث نقاش بيني وبين صديق لي حول مسألة هل الإنسان مخير أم مسير، أفيدونا عن هذا القول؟ جزاكم الله خيراً؟
الإنسان مخير ؛ لأن الله أعطاه مشيئة ، وأعطاه إرادة
، فهو يعلم ويعمل ، وله اختيار ، وله مشيئة ، وله إرادة
، يأتي الخير عن بصيرة ، وعن علم وعن إرادة ،
وهكذا الشر ؛ كما قال تعالى:
لِمَن شَاء مِنكُمْ أَن يَسْتَقِيمَ * وَمَا تَشَاؤُونَ إِلَّا أَن يَشَاء اللَّهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ
[سورة التكوير (28) (29)]
. وقال سبحانه: تُرِيدُونَ عَرَضَ الدُّنْيَا وَاللّهُ يُرِيدُ الآخِرَةَ [
(67) سورة الأنفال]
. فجعل لهم إرادة ، وجعل لهم مشيئة. وقال سبحانه:
إِنَّ اللَّهَ خَبِيرٌ بِمَا يَصْنَعُونَ [(30) سورة النــور].
إِنَّ اللَّهَ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ
[(53) سورة النــور].
فجعل لهم عمل ، وجعل لهم صنع ، وجعل لهم فعل ،
فهم يفعلون الشر والخير، ولهم الاختيار ،
يختار المعصية ويفعلها ، ويختار الطاعة ويفعلها ،
له إرادة وله اختيار. كذلك يختار هذا الطعام يأكل منه ،
وهذا الطعام لا يريده ، يريد هذه السلعة أن يشتريها ،
والأخرى لا يريدها. يستأجر هذه الدار والأخرى
لا يستأجرها ولا يريدها ، يزور فلان والآخر
لا يزوره بمشيئته واختياره.
ولكن هذه المشيئة وهذا الاختيار وهذه الإرادة
وهذه الأعمال كله بقدر ، فهو مسير من هذه الحيثية
، وأنه بمشيئته واختياره وأعماله لا يخرج عن قدر الله
، بل هو بقدر الله : (كل شيء بقدر حتى العجز والكيس)
؛ كما قاله النبي - صلى الله عليه وسلم
- ، ويقول الله - عز وجل -:
إِنَّا كُلَّ شَيْءٍ خَلَقْنَاهُ بِقَدَرٍ [(49) سورة القمر].
فالإنسان في تصرفاته مخير ، له مشيئة ،
وله اختيار ، وله إرادة
، ولهذا استحق العقاب على المعصية ،
واستحق الثواب على الطاعة ؛ لأنه فعل ذلك عن مشيئة
، وعن إرادة ، وعن قدرة. واستحق الثناء على الطاعة
، والذم على المعصية، ولكنه بهذا لا يخرج عن قدر الله
، هو مسير من هذه الحيثية؛
كما قال تعالى:
هُوَ الَّذِي يُسَيِّرُكُمْ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ [(22) سورة يونس]
. وقال جل وعلا:
مَا أَصَابَ مِن مُّصِيبَةٍ فِي الْأَرْضِ وَلَا فِي أَنفُسِكُمْ
إِلَّا فِي كِتَابٍ مِّن قَبْلِ أَن نَّبْرَأَهَا [(22) سورة الحديد].
وقال سبحانه:
إِنَّا كُلَّ شَيْءٍ خَلَقْنَاهُ بِقَدَرٍ [(49) سورة القمر].
وقال:
وَمَا تَشَاؤُونَ إِلَّا أَن يَشَاء اللَّهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ
[(29) سورة التكوير].
وكل شيء لا يقع من العبد إلا بقدر الله الماضي
الذي سبق به علمه. وثبت في الصحيح
عن عبد الله بن عمرو
عن النبي - صلى الله عليه وسلم - أنه قال:
(إن الله قدر مقادير الخلائق قبل أن يخلق السماوات والأرض
بخمسين ألف سنة ، وعرشه على الماء).
وقال - صلى الله عليه وسلم-:
(كل شيء بقدر حتى العجز والكيس)
رواه مسلم في الصحيح.
كله بقدر ، فأنت مخيّر ومسير جميعاً ،
مخير ؛ لأن لك إرادة ، ومشيئة ،
وعمل باختيارك ، تفعل هذا وهذا، تفعل الطاعة باختيا
ر ، تصلي باختيار، تصوم باختيار،
تفعل المعصية منك باختيار من الغيبة والنميمة أو الزنا
أو شرب المسكر كله باختيار عن فعل وإرادة،
تبر والديك باختيار وتعقهما كذلك ، فأنت مأجور على البر
، مستحق العقاب على العقوق، وهكذا تثاب على الطاعات
، وتستحق العقاب على المعاصي.
وهكذا تأكل وتشرب ، وتذهب وتجيء ، وتسافر وتقيم ،
كله باختيار، فهذا معنى كونك مخير،
ومسير يعني أنك لا تخرج عن قدر الله ،
هو الذي يسيرك - سبحانه وتعالى -
، له الحكمة البالغة، فكل شيء لا يخرج عن قدر الله
: وَمَا تَشَاؤُونَ إِلَّا أَن يَشَاء اللَّهُ [(29) سورة التكوير].
كما تقدم. وبالله التوفيق. جزاكم الله خيراً.