الإمام مالك والحديث النبوي
إنه مما لا شك فيه أنه لا يكون المحدّث محدّثا إلا إذا كان حافظاً ولا يكون حافظاً إلا إذا كانت له حافظة سريعة اللقط والحفظ ، وقد كان العلماء قديماً يعتمدون على الحفظ حتى بدأ الحفّاظ يكتبون ، فبدأ الاعتماد بعد ذلك على الحفظ والكتابة .
وكان الإمام مالك رحمه الله رحمة واسعة أحفظ الناس في زمانه ، فلقد حفظ حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم واهتم به أعظم اهتمام حتى صار فيه إماماً ، وأصبح سنده أصح الأسانيد عند علماء السنة ، وقرروا أنه ثقة عدل ضابط ، مدقق في اختيار من يروي عنهم ، ولم يستطع أحد أن يطعن على الإمام مالك بشيء في سنده .
فكان الإمام مالك رضي الله عنه (( إذا شكّ في شيء من الحديث تركه )) .
ولم يكن بالأمر الهين أن يبلغ مالك هذه المنزلة ، فلقد تعب من أجلها تعباً كثيراً وسهر الليالي الطوال ، واجتهد وصبر وحقق ودقق .
وكان مالك رضي الله عنه يقدّر حديث الرسول صلى الله عليه وسلم أجلَّ التقدير فكان لا يتكلم بحديث رسول الله صلى الله عليه وسلم إلا إذا اغتسل وتطيَّب ولبس ثياباً جديدة ،ويتعمّم ويظهر على وجهه الخشوع إجلالاً لحديث رسول الله صلى الله عليه وسلم . وذات يوم لدغته عقرب وهو يروي حديثاً للرسول صلى الله عليه وسلم ، فاحتمل اللدغة ، ولم يقطع الرواية ، ولما سئل عن ذلك قال : صبر إجلالاً لحديث رسول الله صلى الله عليه وسلم .
ومن شدة تعظيمه وإجلاله لحديث رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه كان يُعِدُّ رفع الصوت في درس الحديث أمراً مكروهاً يحرم على المسلم أن يفعله ، ويستدل على ذلك بقول الله تبارك وتعالى : { يأيُّها الَّذينَ آمنوا لا تَرفَعوا أَصواتَكُم فَوقَ صَوتِ النَّبِي } [ الحجرات : 2 ] .
فمن رفع صوته عند حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم فكأنما رفع صوته فوق صوت الرسول صلى الله عليه وسلم ..
من كتاب الأئمة الأربعة
لا تنسوني من دعواتكم
أختكم بنت الراحل الباقي