حلقته العلمية
لم يجلس الإمام أبو حنيفة رضي الله عنه في حلقة مستقلة به إلا بعد وفاة أستاذه وشيخه حماد بن أبي سليمان سنة 120هـ ، فلما مات حماد بن أبي سليمان جلس أبو حنيفة في حلقة بمسجد الكوفة ، وكانت حلقته أكبر الحلقات وأكثرها رجالاً يستمعون إلى الإمام أبي حنيفة رضي الله عنه ، رغم أن المسجد كان فيه عدة حلقات لحفظ القرآن ولحفظ الحديث وتعلُّم القراءات وغير ذلك ، ومع هذه الحلقات جميعاً في مسجد الكوفة الأعظم إلا أن حلقة الإمام أبي حنيفة كانت متميزة ، حيث كان فيها خير شباب الكوفة يستمعون إلى شيخهم الذي يتدفق بالعلم ، وإذا ذهب الإمام إلى أداء فريضة الحج ، انتقلت حلقته إلى المسجد الحرام في مكة ، فقد سبقته شهرته إليها ، وإذا توجه لزيارة مسجد رسول الله صلى الله عليه وسلم بالمدينة المنورة انتقلت حلقته إلى الروضة الشريفة ..
وهكذا استمع إلى الإمام أبي حنيفة من نستطيع أن نسميهم بالتلاميذ الكبار ، فلم يكن جلساء أبي حنيفة من عامة الناس ، ولا من البادئين الشادين في العلم والمعرفة ، بل كان فيهم من له نصيب كبير في التحصيل والفقه فقد روي أن رجلاً قال يوماً في مجلس وكيع بن الجراح الفقيه : أخطأ أبو حنيفة ، فقال له وكيع بن الجراح : كيف يقدر أبو حنيفة أن يخطئ ومعه مثل أبي يوسف وزفر في قياسهما ، ومثل يحيى بن أبي زائدة ، وحفص بن غياث ، وحبان ومندل في حفظهم الحديث ، والقاسم ابن معن في معرفته باللغة العربية ، وداود الطائي وفضيل بن عياض في زهدهما وورعهما ، ومن كان هؤلاء جلساءه لم يكد يخطئ ، لأنه إن أخطأ ردوه ..
فقد كان جلساء أبي حنيفة فيهم علماء بصراء بمختلف العلوم ، وكانوا يجلسون إليه لما في علمه من الدقة وهذا ما جعله يجلس مجلس التدريس والإفتاء بين أمثال هؤلاء وهو أجدر بذلك ..
نقلته من كتاب الأئمة الأربعة
لا تنسوني من دعواتكم الصالحة
أختكم بنت الراحل الباقي