شيوخه وأساتذته
لقد تتلمذ الإمام مالك رضي الله عنه على يد كثير من العلماء في عصره ، فقد أدرك الإمام مالك من الشيوخ في عصره ما لم يدركه أحد بعد ..
فمن التابعين أدرك ثلاثمائة ، ومن تابعي التابعين أدرك ستمائة واختار منهم من ارتضاه لدينه وفهمه وارتضى دينهم وفقههم ، ولسنا الآن في صدد حصر جميع شيوخ الإمام مالك ، ولكننا نذكر منهم على سبيل المثال ما يلي :
1 – ربيعة الرأي :
كان ربيعة الرأي أول الشيوخ الذين جلس إليهم الإمام مالك وأخذ عنهم العلم ، وربيعة الرأي هو ربيعة بن أبي عبد الرحمن فرُّوخ التيمي مولاهم ، أدرك بعض الصحابة وكبار التابعين ، وكان صاحب الفتوى بالمدينة ، وكان ثقة كثير الحديث ، وكان الإمام مالك يقدِّر شيخه ربيعة ، فكان لا يتكلم في مجلسه ولا يبادر بالجواب إذا سئل ، وإذا دعاه السلطان لا يذهب إليه إلا بعد استشارته ولم يجلس الإمام مالك للفتيا إلا بعد استئذانه لدرجة أنه قال : ذهبت حلاوة الفقه منذ مات ربيعة بن أبي أصيل ، ولسان بليغ ، وفضل مستبين ، وطريقة حسنة في الإسلام ، ومودة صادقة لإخوانه عامة .
2 –ابن هرمز :
كان بن هرمز هو الشيخ الثاني الذي جلس إليه الإمام مالك وأخذ عنه العلم . وابن هرمز هو عبد الرحمن بن هرمز الأعرج أو داود المدني ، مولى ربيعة بن الحارث بن عبد المطلب ، وهو من التابعين روى عن كثير من كبار الصحابة مثل أبو هريرة وأبي سعيد وابن عباس ومعاوية بن أبي سفيان .
ظلّ الإمام مالك يتلقى العلم من ابن هرمز سبع سنين أو أكثر من ذلك ، وقد كان ابن هرمز عالماً بالسنة قولاً وعملاً وتطبيقاً ، ورغم مكانته العلمية إلا أنه كان لا يسارع في الإفتاء ولا تسعى نفسه للتظاهر بالصدارة في العلم والرياسة في الفقه كما يفعل بعض العلماء في عصرنا الحالي ، ولكنه كان إذا سئل سؤالاً فكان يطيل التفكير قبل الإجابة . وتأثر الإمام مالك بابن هرمز في علمه وفقهه وورعه .
توفي ابن هرمز بالمدينة المنورة سنة 148 هـ وكان عمر الإمام مالك في ذلك الوقت خمسة وخمسين عاماً .
3 – نافع الديلمي :
كان نافع هو الشيخ الثالث الذي أخذ عنه الإمام مالك العلم ، والإمام نافع هو نافع بن سرجين وكنيته أبو عبد الله الديلمي وهو مولى عبد الله بن عمر . وكان متواضعاً قليل الكلام .
وعبد الله بن علَّمَ مولاه نافعاً العلم ، وفقّهه في الدين ، وكان نافع من الأذكياء الذين يحفظون الأحاديث حفظاً جيداً ، وكان يلقب بفقيه المدينة ، ويلقب بإمام العلم ، وكان ابن شهاب الزهري يسمع منه الحديث .
ولقد أفاد مالك من نافع فقهاً وحديثاً ، وأخذ عنه أحاديث ابن عمر ، وكان مالك شديد الثقة في نافع حيث كان يقول : إذا سمعت حديث نافع عن ابن عمر لا أبابي ألا أسمعه من أحد غيره ولهذا قال رجال الحديث : أصح الأحاديث مالك عن نافع عن ابن عمر وعندما يتصل الشافعي بهذه السلسلة فإنها تسمى سلسلة الذهب .
وكان مالك يقول : كنت آتي نافعاً نصف النهار وما تظلني الشجر من الشمس أتحين خروجه ، فإذا خرج أدعُه ساعة ، كأني لم أره ثم أتعرض له فأسلِّم عليه وأدعُه حتى إذا دخل البلاط أقول له : كيف قال ابن عمر في كذا وكذا؟ فيجيبني ثم أحبس عنه وكان فيه حدّة .
وكان مالك يقود نافعاً من منزله إلى المسجد ، وكان قد كُفَّ بصره ، فيسأله فيحدثه ، وكان منزل نافع بناحية البقيع .
وتوفي نافع رحمه الله تعالى سنة 117 هـ .
4 – ابن شهاب الزهري :
كما أخذ أيضاً من محمد بن مُسلم بن عبيد الله بن شهاب الزهري القرشي أبو بكري الذي ما استودع في قلبه شيئاً وطرأ عليه النسيان أبداً . قال عنه العلماء : لم يبقَ أحد أعلمُ بسنّة ماضيه منه .
وقال مالك : كنا نزدحم على درج ابن شهاب حتى يسقط بعضنا على بعض ، وقال أيضاً : كنا نأتي ابن شهاب في داره في بني الدِّيل وكانت له عتبة حسنة كنَّا نجلس عليها ، نتدافع إذا دخلنا عليه .
وروى مالك عن شيخه الزهري شيئاً من الحكمة ، فقد أنشد مالك بن أنس قال : أنشدني الزهري لنفسه :
لا تأمنَنَّ امرءاً أسكنتَ مهجَته
غَيظاً ، وإن قلتَ إنَّ الغيظَ يَندملُ
وقد نال الزهري رحمه الله تعالى إعجاب الجميع حتى إنَّ الخليفة عمر بن عبد العزيز ، كتب في الآفاق (( عليكم بابن شهاب فإنكم لا تجدون أعلم بالسنّة الماضية منه )) .
وكان الزهري كثير القراءة دائم الاطلاع ، له مكتبة خاصة في بيته ، يجلس بين كتبه يطيل النظر ويشتغل بها عن كل أمور الدنيا ، ومن الطرائف التي تروى في هذا السبيل أن زوجته قد ضاقت بكتبه ذرعاً فقالت له يوماً : والله لهذه الكتب أشد عليَّ من ثلاث ضرائر . لذلك كان الزهري صاحب ثقافة عالية وقد كان أعلم الناس بالأنساب ، وتوفي رحمه الله تعالى في سنة 124 هـ ببلدة شغب على حدود الحجاز وفلسطين .
5 – جعفر الصادق :
أيضاً من المشايخ الأعلام الذين أخذ الإمام مالك عنهم العلم : جعفر الصادق ، وهو الإمام جعفر بن محمد بن علي بن الحسين المعروف بجعفر الصادق ، وكان رأس آل البيت بالمدينة المنورة .
وقد كان الإمام جعفر ذا علم وفضل وتقوى وتسامح لا يفوقه في ذلك أحد ، فكان غزير العلم ، وافر الحكمة ، كامل الأدب ، زاهداً ورعاً ، بعيداً عن الغلو ، بريئاً من التطرف ، لا يحب الاعتزال .
وقد كان الإمام جعفر رضي الله عنه جديراً بالاحترام والتقدير ، وأقواله تؤكد ذلك ، ومن أقواله : إن الله أراد بنا شيئاً وأراد منا شيئاً ، فما أراده بنا طواه عنا وما أراده منا أظهره لنا ، فما بالنا نشتغل بما أراده عما أراده منا .
وكان الإمام جعفر يدعو الله بكلمات في غاية من البلاغة وتترجم عن غاية الطاعة ، وكان يدعو الله فيقول : اللهم لك الحمد إن أطعتك ، ولك الحجة إن عصيتك ، لا صنيع لي ولا لغيري في إحسان ، ولا حجة لي ولا لغيري في إساءة .
وقد صحب الإمام مالك الإمام جعفر وتعلّم منه العلم .
وقد تحدّث الإمام مالك عن الإمام جعفر الصادق قائلاً : كنت أرى جعفر بن محمد ، وكان كثير الدعاية والتبسُّم ، فإذا ذكر عنده النبي صلى الله عليه وسلم اخضرَّ واصفرَّ ، ولقد اختلفت إليه زماناً فما كنت أراه إلا على ثلاثة خصال : إما مصلياً ، وإما صائماً ، وإما يقرأ القرآن ، وما رأيته قد يحدّث عن رسول الله صلى الله عليه وسلم إلا على الطهارة ، ولا يتكلم فيها لا يعنيه . وكان من العلماء والعبّاد والزهّاد الذين يخشون الله ، وما أتيته قط إلا ويخرج الوسادة من تحته ويجعلها تحتي .
هذا وقد تأثر الإمام مالك بالإمام جعفر الصادق أثراَ كبيراَ في الحديث وغير ذلك .
هذا وقد تتلمذ الإمام مالك أيضاً على يد كثير من الشيوخ لا يتسع المجال لذكرهم نكتفي بما ذكرنا .
وتوفي الإمام جعفر الصادق رحمه الله رحمة واسعة في سنة 148 هـ .
من كتاب الأئمة الأربعة
لا تنسوني من دعواتكم
أخـتـكـم بنت الراحل الباقي