الاحتفال بالمولد، فإن النبي صلى الله عليه وسلم تركه مع إمكان فعله في زمنه، ووجودالداعي إلى ذلك، فلم يكن أحد يحب النبي صلى الله عليه وسلم كما يحب الصحابة النبيصلى الله عليه وسلم، ومع ذلك لم يشرع لهم الاحتفال بمولده، فدلّ على أنه قصد هذاالترك، وأن فعله بدعة.
وقد شرع لهم التعبد لله تعالى بتعظيم عيد الأضحىوالفطر ويوم الجمعة، كما شرع لهم أيضاً ترك التعبد بتعظيم يوم الثاني عشر من ربيعالأول، أو تخصيصه بشيء من العبادات، فالواجب إتباع هديه في الأمرين، في الفعلوالترك.
وهذا من تمام الائتساء به، كما قال تعالى: لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌسورة الأحزاب:21] وقال تعالى: وَمَآ آتَاكُمُ الرَّسُولُفَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانتَهُواْسورة الحشر:7
معأنه تكرر عليه يوم مولده منذ بعثته، ثلاث وعشرون مرة، في ثلاث وعشرين سنة، مدةرسالته صلى الله عليه وسلم، غير أنه لم يحتفل ولا مرة واحدة بمولده صلى الله عليهوسلم.
ثم جاء الخلفاء الراشدون، فتركوا أيضاً الاحتفال بمولده صلى اللهعليه وسلم، ومضى على هذا الترك القرون المفضلة، حتى جاء الفاطميون الباطنيونالرافضة فأحدثوا هذه البدعة، فهم أول من أحدث بدعة الاحتفال بالمولد النبويوقال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله: "كل ما لم يشرعمن الدين فهو ضلالة، وما سمي بدعة، وثبت حسنه، بأدلة الشرع فأحد الأمرين فيه لازم،إما أن يقال ليس ببدعة في الدين، وإن كان يسمى بدعة من حيث اللغة كما قال نعمتالبدعة هذه". "مجموع الفتاوى 10/471 ـ 22/ 234".قال شيخ الإسلام ابن تيمية: "وكذلك ما يحدثه بعض الناس، إما مضاهاة للنصارىفي ميلاد عيسى عليه السلام، وإما محبة للنبي صلى الله عليه وسلم وتعظيماً له، واللهقد يثيبهم على المحبة والاجتهاد، لا على البدع من اتخاذ مولد النبي صلى الله عليهوسلم عيداً مع اختلاف الناس في مولده، فإن هذا لم يفعله السلف مع قيام المقتضي له،وعدم المانع منه، ولو كان هذا خيراً محضاً، أو راجحاً، لكان السلف رضي الله عنهمأحق به منا، فإنهم كانوا أشد محبة لرسول الله صلى الله عليه وسلم وتعظيماً له منا."اقتضاء الصراط 295".قال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله: "البدعة في الدينهي مالم يشرعه الله ورسوله، وهو مالم يأمر به أمر إيجاب ولا استحباب، فأما ما أمربه أمر إيجاب أو استحباب وعلم الأمر بالأدلة الشرعية، فهو من الدين الذي شرعهالله.." إلى أن قال: "سواء كان هذا مفعولاً على عهد النبي صلى الله عليه وسلم أو لميكن". مجموع الفتاوى 4/107ـ 108"
وقال أيضاً: "السنة هي ما قام الدليل الشرعي عليه بأنه طاعةلله ورسوله، سواء فعله رسول الله صلى الله عليه وسلم أو فعل على زمانه، أو لم يفعلهولم يفعل على زمانه، لعدم المقتضي حينئذ لفعله أو وجود المانع منه، فما سنّهالخلفاء الراشدون ليس بدعة شرعية ينهى عنها، وإن كان يسمى في اللغة بدعة فكونهابتدئ". مجموع الفتاوى 21/317ـ 319".فمن إذن الذين ابتدعوا الاحتفال بمولده، وأرادوا - في زعمهم - أن يعظموا الرسول صلىالله عليه وسلم بما يعظمه به سلف الأمة الصالح، وأرادوا أن يحيُّوُهُ صلى الله عليهوسلم بما لم يُحَيِّه به الله؟
والجواب:أن أولمن ابتدع ذلك هم ملوك الدولة الفاطمية في القرن الرابع الهجري ومن تسمى منهم باسم(المعز لدين الله) ومعلوم أنه وقومه جميعا إسماعيليون زنادقة، متفلسفون. أدعياءللنسب النبوي الشريف، فهم من ذرية عبد الله بن ميمون القداح اليهودي الباطني وقدادعوا المهدية وحكموا المسلمين بالتضليل والغواية، وحولوا الدين إلى كفر وزندقةوإلحاد، فهذا الذي تسمى (بالحاكم بأمر الله)، هو الذي ادعى الألوهية وأسس جملة منالمذاهب الباطنية الدرزية، وأرغم المصريين على سب أبي بكر وعمر وعائشة وعلق ذلك فيمساجد المسلمين ومنع المصريين من صلاة التراويح، ومن العمل نهاراً إلى العمل ليلاًونشر الرعب والقتل واستحل الأموال وأفسد في الأرض، مما تعجز المجلدات عن الإحاطةبه. وفي عهد هؤلاء الذين ابتدعوا بدعةالمولد تمكن الفاطميون والقرامطة من قتل الحجاج وتخريب الحج، وخلع الحجر الأسود.
والخلاصة:أن بدعة المولد نشأت من هنا، وهليقول عاقل أن هؤلاء الزنادقة الملحدون قد اهتدوا إلي شيء من الحق لم يعرفه الصديقوالفاروق وعثمان وعلي والصحابة والسلف الأئمة وأهل الحديث؟هل يكون كل هؤلاء علىباطل وأولئك الكفرة الملاعين على الحق؟
سئل فضيلة الشيخ العلامة محمد بن صالح بن عثيمين رحمه الله كما في فتاوى الشيخ محمدالصالح العثيمين إعداد وترتيب أشرف عبد المقصود -:
ما الحكم الشرعي في الاحتفال بالمولدالنبوي؟ فأجابفضيلته : "نرى أنه لا يتم إيمان عبد حتى يحب الرسول صلى اللهعليه وسلم ويعظمه بما ينبغي أن يعظمه فيه، وبما هو لائق في حقه صلى الله عليه وسلم. ولا ريب أن بعثة الرسول عليه الصلاة والسلام -ولا أقول مولده بل بعثته لأنه لم يكنرسولاً إلا حين بعث كما قال أهل العلم- نُبىءَ بإقرأ وأُرسل بالمدثر-، لا ريب أنبعثته عليه الصلاة والسلام خير للإنسانية عامة، كما قال تعالى: قُلْ يأَيُّهَا النَّاسُ إِنِّي رَسُولُاللَّهِ إِلَيْكُمْ جَمِيعاً الَّذِي لَهُ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ لاإِلَـهَ إِلاَّ هُوَ يُحْيِـي وَيُمِيتُ فَآمِنُواْ بِاللَّهِ وَرَسُولِهِالنَّبِيِّ الأُمِّيِّ الَّذِي يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَكَلِمَاتِهِ وَاتَّبِعُوهُلَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَالأعراف:158، وإذا كان كذلك فإن من تعظيمهوتوقيره والتأدب معه واتخاذه إماماً ومتبوعاً ألا نتجاوز ما شرعه لنا من العبادات،لأن رسول الله صلى الله عليه وسلم توفى ولم يدع لأمته خيراً إلا دلهم عليه وأمرهمبه، ولا شراً إلا بيّنه وحذرهم منه وعلى هذا فليس من حقنا ونحن نؤمن به إماماًمتبوعاً أن نتقدم بين يديه بالاحتفال بمولده أو بمبعثه، والاحتفال يعني الفرحوالسرور وإظهار التعظيم وكل هذا من العبادات المقربة إلى الله، فلا يجوز أن نشرع منالعبادات إلا ما شرعه الله ورسوله، وعليه فالاحتفال به يعتبر من البدعة، وقد قالالنبي صلى الله عليه وسلم: «كل بدعة ضلالة» قال هذهالكلمة العامة، وهو صلى الله عليه وسلم أعلم الناس بما يقول، وأفصح الناس بما ينطق،وأنصح الناس فيما يرشد إليه، وهذا الأمر لا شك فيه؛ لم يستثن النبي صلى الله عليهوسلم من البدع شيئاً لا يكون ضلالة، ومعلوم أن الضلالة خلاف الهدى، ولهذا روىالنسائي آخر الحديث :«وكل ضلالة فيالنار»ولو كان الاحتفال بمولده صلى الله عليه وسلم من الأمورالمحبوبة إلى الله ورسوله لكانت مشروعة، ولو كانت مشروعة لكانت محفوظة، لأن اللهتعالى تكفّل بحفظ شريعته، ولو كانت محفوظة ما تركها الخلفاء الراشدون والصحابةوالتابعون لهم بإحسان وتابعوهم، فلما لم يفعلوا شيئاً من ذلك علم أنه ليس من دينالله، والذي أنصح به إخواننا المسلمين عامة أن يتجنبوا مثل هذه الأمور التي لم يتبنلهم مشروعيتها لا في كتاب الله، ولا في سنة رسوله صلى الله عليه وسلم، ولا في عملالصحابة رضي الله عنهم، وأن يعتنوا بما هو بيّن ظاهر من الشريعة، من الفرائض والسننالمعلومة، وفيها كفاية وصلاح للفرد وصلاح للمجتمع.