شيوخه وأساتذته
لقد اختار الإمام أبو حنيفة رضي الله عنه المجال الذي ارتضاه لنفسه وهو الآن يختار شيوخه وأساتذته الذين يأخذ العلم عنهم .
فلقد رأى رضي الله عنه أنس بن مالك الصحابي الجليل حين كان يزور الكوفة ، وسمع عطاء بن أبي رباح وأبا إسحاق السبيعي ومحارب بن دثار ، وحماد بن أبي سليمان ، والهيثم بن حبيب الصواف ، وقيَّس بن مسلم ، ومحمد بن المنكدر ، ونافع مولى عبدالله بن عمر ، وهشام بن عروة ، ويزيد بن الفقير ، وسماك بن حرب ، وعلقمة بن مرثد ، وعطية العوفي ، وعبدالعزيز بن رفيع ، وعبدالكريم أبا أمية .
كما جالس الإمام أبو حنيفة رضي الله عنه أربعة من كبار أهل بيت رسول الله صلى الله عليه وسلم اشتهروا بين الناس بالعلم الغزير والأدب الكبير .
فقد تتلمذ على يد الإمام زيد بن علي بن العابدين الذي استشهد في أيام هشام بن عبدالملك سنة 122هـ كما تتلمذ على يد محمد بن علي أخي زيد بن علي وتتلمذ على يد الإمام جعفر بن محمد المشهور بجعفر الصادق ، وتتلمذ على يد عبدالله بن الحسن بن الحسن .
وهؤلاء جميعاً من صفوة علماء المسلمين ، كانوا أساتذة لأبي حنيفة النعمان بن ثابت رضي الله عنه .
أما الشيخ الذي انقطع له الإمام أبو حنيفة النعمان بن ثابت فهو الشيخ حماد بن أبي سليمان . فلقد صحبه أبو حنيفة ثماني عشرة سنة كاملة .
فقد رأى الشيخ حماد في أبي حنيفة قوة في الحفظ وإقبالاً على الدرس ، لذا ميّزه الشيخ حماد على رفاقه حيث قال : لا يجلس في صدر الحلقة بحذائي إلا أبي حنيفة ، يقول الإمام : فصحبته عشر سنين ، ثم نازعني نفسي لطلب الرياسة فأحببت أن أعتزله وأجلس في حلقة لنفسي ، فخرجت يوماً عازماً على ذلك فلما دخلت المسجد ورأيته لم تطب نفسي أن أعتزله حتى جاءه في ليلة من الليالي نعي قريب له بالبصرة وهو الوريث الوحيد لقريبه فطلب مني أن أجلس مكانه في الحلقة أديرها ففعلت ومكثت شهرين ووردت علي مسائل لم أكن أسمعها منه ، فكنت أجيب وأكتب جوابي فلما قدم عرضت عليه المسائل وكانت نحواً من ستين مسألة فقلت في نفسي لا أفارقه حتى يموت ، فلم أفارقه حتى مات ..
ويقول الإمام أبو حنيفة رضي الله عنه :
دخلت على أبي جعفر المنصور أمير المؤمنين فقال لي : يا أبا حنيفة ، عن مَن أخذت العلم؟ قلت : عن حماد عن إبراهيم عن عمر بن الخطاب وعلي بن أبي طالب ، وعبدالله بن مسعود ، وعبدالله بن عباس ، فقال أبو جعفر : بخ بخ ، استوثقت من شئت يا أبا حنيفة الطيبين الطاهرين المباركين صلوات الله عليهم .
فقد كان المنصور خبيراً بمعادن الأئمة والعلماء الذين ذكرهم أبو حنيفة رضي الله عنه مصدراً لعلمه ، وقد كان المنصور فقيهاً ومحدّثاً قبل أن يتولى أمر الخلافة وهو الذي طلب من الإمام مالك رضي الله عنه أن يجمع أحاديث النبي صلى الله عليه وسلم فجمعه في كتاب الموطأ ..
وقد كان الإمام أبو حنيفة رضي الله عنه باراًّ بأساتذته وفياً لهم فلما مات أستاذه حماد قال أبو حنيفة : ما صليت صلاة منذ مات حماد إلا استغفرت له مع والديّ ، وإني لأستغفر لمن تعلمت منه علماً أو علّمته علماً .
وقال : ما مددت رجلي نحو دار حماد إجلالاً له وكان بين داري وداره سبع سكك .
نعمان كان أبرَّ الناس كلهم
بوالديه وبالأستاذ حماد
قد كان يدعو له ما عاش مجتهداً
شائي بذا كل محمود وحماد
وكان يفتح بالحماد دعوته
ولا يحابى لآباء وأولاد
أبو الإفادة أولى بالدابة من
أبي الولادة عند الواحد الهادي
ما مد رجليه يوماً نحو منزله
ودونه سكك سبع كأطراد
ولم يكتفِ الإمام أبو حنيفة رضي الله عنه بشيوخه وأساتذته هؤلاء بل كان عدد شيوخه أربعة آلاف شيخ ولا عجب في ذلك فقد عاش سبعين سنة وحجّ خمساً وخمسين مرة ، وكان موسم الحج يجمع علماء العالم الإسلامي في الحرمين الشريفين ، وكان يلتقي بهؤلاء العلماء جميعاً ويأخذ من علمهم ..
منقول من كتاب الأئمة الأربعة
لا تنسوني من دعواتكم الصالحة
بنت الراحل الباقي