لم يكن أحد يحسب أن نكون بحاجة إلى أن نحدث الناس عن الرجولة، وأن تذكرهم بصفات الرجال وسماتهم، فالرجولة وصف اتفق العقلاء على مدحه والثناء عليه. يكفي حتى تمدح إنسانا أن تصفه بالرجولة، وحتى تذمه وتعيبه أن تنفي عنه الرجولة، أليس الأب والمعلم يعاتب ولده بنفي الرجولة، ألست رجلا؟ لقد أصبحت رجلا، إنك طفل ولست رجلا. يتطلع الصغير والصبي إلى ذاك اليوم الذي يوصف فيه بالرجولة، ويحدث من حوله من الصغار والكبار عما يفعل حين يصبح رجلا، إنه يتشبه بالرجال في حديثهم، في مشيتهم، في لباسهم. إنك ترى العجب من أخلاق الناس وطباعهم، وترى مالا يخطر لك على بال، لكنك لاترى أبدا من يرضى بأن تنفى عنه الرجولة. إنه أمر يتفق عليه الجميع مؤمنهم وكافرهم، تقيهم وفاجرهم، عاقلهم وسفيههم، بل أنت ترى كثيرا من الحمقى والسفهاء يبررون حماقتهم بأنها مقتضى الرجولة. ومع هذا كله فالمسافة بين واقع الناس وبين الرجولة ليست مسافة قريبة، فالبون بين الواقع والدعوى شاسع، وواقع الناس يكذب ادعاءهم. فيما مضى في عصر العرب الأوائل كانت الرجولة إرثا، كانت مفخرة وممدحة، وبغض النظر عما انحطوا إليه من السفائف والرذائل فقد كان لديهم سمو في الأخلاق ونبل في المعدن، ولذا فقد بعث النبي صلى الله عليه وسلم فيهم وأخبر أنه بعث في خير الناس، فقد خلق الله الخلق عربا وعجما، وجعل المصطفى صلى الله عليه وسلم من العرب وهم خيرهم. وفي عصر الحضارة والمدنية المعاصرة، في عصر غزو الفضاء وحرب النجوم، في عصر التقنية والاتصال، تحول العالم إلى قرية صغيرة، فارتقى الناس في عالم المادة، وانحطوا في عالم الأخلاق والقيم، صعدوا إلى الفضاء واقدامهم في الحظيظ، تطلعوا إلى الإنجاز المادي وهمهم حول شهواتهم وأهوائهم (إن هم إلا كالأنعام بل هم أضل سبيلا). وورث المسلمون وذرية العرب الأوائل ورثوا من هؤلاء العفن والفساد، ورثوا منهم مساويء الأخلاق وساروا وراءهم في لهاث وسعار، فلا للمدنية والحضارة أدركوا، ولا لأخلاقهم ورجولتهم أبقوا. فاندثرت الأخلاق والشيم مع عالم المادة، وصرت بحاجة إلى تذكر الرجال بسمات الرجولة، وتطالب الشباب أن يكونوا رجالا لا صغارا.