حلقته العلمية
بعد أن حصل الإمام أحمد بن حنبل على قسط كبير ودرجة عالية من التعليم ، ونال ما لم ينله أحد وتلقى عن الشيوخ الكبار ما تلقى ، وأصبحت لديه المؤهلات التي بها يستطيع أن يجلس للتدريس ، جلس في المسجد الجامع ببغداد وهو في سن الأربعين . وقد كان رضي الله عنه له درب عام ودرس خاص .
فالدرس العام كان يعقده في المسجد بعد صلاة العصر وكان هذا الدرس مشهوراً حافلاً بالسامعين ، حتى روي أن عدد الحضور في هذا الدرس كان يبلغ خمس آلاف فرد من شتى بقاع الأرض ، وكان منهم من يحضر الدرس لطلب العلم ، ومنهم من يحضره لطلب العظة ، ومنهم من كان يريد أن يهتدي بهديه ويتخلق بأخلاقه ويتأدب بأدبه ، ومنهم من كان يريد أن يلتمس البركة .
وقد كان درسه رضي الله عنه يسوده الوقار والهدوء والسكينة والجد ، فقد كان لا يمزح ولا يحب المزاح ولا يصبر على المزاح من غيره ، وإذا وجد من تعوَّد على المزاح فكان لا يمزح في مجلسه إذا كان حاضراً . وأما الدرس الخاص فكان يعقده في منزله .
هذا وقد لقِّب الإمام أحمد بشيخ العراق وإمام مشايخ بغداد ، وذلك بعد أن استجمعت فيه كل صفات الإمامة ومقوماتها .
وللإمام مؤهلات معينة وشروط خاصة لا تتوافر لدى كل من وهب نفسه للعلم ، وصار فيه ذا نباهة وشهرة ، ولا تتهيأ لكل من سجد لله مصلياً ، أو قضى الدهر صائماً ، وإنما الإمامة علم وعمل ، وفقه وحديث ، وحسن اجتهاد وجودة استنباط وسلوك وعبادة وتبصير وهداية ، ونصح وقدوة ، ودرس وتحصيل ، وشجاعة وثبات ، وزهد في الدنيا والمال ، وعزف عن الحكم والسلطان ، وتعفف وهيبة ، وحب للناس وتكريم لهم ، وعطف على اليتامى ، وحلم وتسامح ودفاع عن الحق ، ودفع للظلم ، وقد كان الإمام أحمد بن حنبل يمتلك كل هذه المؤهلات لذا جلس إماماً للناس يعلّمهم ويضع لهم القوانين التي وضعها الخالق في كتابه الكريم . وقد نال إعجاب الجميع من التلاميذ المخلصين له الذين جاؤوا إليه من كل مكان .
من كتاب الأئمة الأربعة
لا تنسوني من دعواتكم
بنت الراحل الباقي