الرحلة الأولى إلى المدينة المنورة
كان الإمام الشافعي يشتاق دائماً إلى رؤية المدينة المنورة موطن انتشار الدعوة الإسلامية في بداية ظهورها . وقد كان قلبه يحن إلى زيارة مسجد النبي صلى الله عليه وسلم وزيارة مقام النبي وصاحبيه أبو بكر وعمر ، وزيارة البقيع ورؤية الإمام مالك والاستفادة منه في مجال الفقه ، فلما أتم حفظ القرآن الكريم وحفظ (( الموطأ )) الكتاب الذي جمع أحاديث الرسول الكريم صلى الله عليه وسلم ، وتعلّم من اللغة والأدب والشعر والبلاغة ما تعلّم ، أراد أن يرحل إلى المدينة المنورة ليحصل على العلوم التي فيها . فذهب إلى والي مكة المكرمة وطلب منه أن يكتب له رسالة توصية لوالي المدينة المنورة ليهتم به الوالي ويقدمه إلى الإمام مالك .
وقد كان والي مكة المكرمة يعرف الإمام الشافعي جيدً ويحبه حباً كبيراً لعلمه ، فكتب له رسالتين : الأولى للوالي يوضح له فيها مكانة الإمام الشافعي ، والثانية للإمام مالك يوضح له فيها الدور العظيم الذي يقوم به الشافعي مع أهل مكة وغيرهم في الأمور الدينية .
أخذ الإمام الشافعي الرسالتين واتجه إلى بيته وعليه يظهر الفرح والسرور ، حتى إنه من شدة فرحه طرق الباب على أمه بشدة فقالت له أمه : من بالباب؟
قال : أنا الشافعي .
قالت له الأم : ارجع وتعلّم الأدب ثم عد .
فما زال الشافعي يطلب منها أن تفتح له الباب واستسمحها وقال لها : لن أطرق الباب بهذه الصورة بعد ذلك حتى فتحت له الباب وقصّ عليها ما حدث .
ثم رحل من مكة إلى المدينة المنورة ودخل المسجد الحرام وصلّى فيه العصر وتقدم للمقام وسلّم على النبي وصاحبيه وزار البقيع والتى بوالي المدينة وقدّمه الوالي إلى الإمام مالك .
ولما عرفه الإمام مالك وعرف مكانته رحب به واستضافه في بيته وقال له : غداً سأقرأ عليك (( الموطأ )) فقال له الإمام الشافعي : أنا أحفظه ؛ فطلب الإمام مالك أن يقرأ الموطأ فظلّ يقرأ الإمام الشافعي (( الموطأ )) على الإمام مالك حتى أتمه في أيام قلائل ، ففرح به الإمام مالك . وبدأ الشافعي يحضر دروس الإمام مالك في المسجد ويواظب عليها ويكتب ما يسمعه من الإمام مالك . وكان الإمام مالك يتابعه ويلاحظه ويتعجب منه .
وأقام الإمام الشافعي ضيفاً عنده ثمانية أشهر يلازمه في البيت وفي المسجد ، ويقدم له الطعام والشراب بنفسه ، ويأخذه في صحبته إلى المسجد ، وبعدما يقرأ الإمام على الناس الموطأ يعطيه للشافعي ليمليه عليهم وهم يكتبونه حتى عرفه الناس وارتفعت منزلته عندهم وهكذا تعلّم الشافعي الفقه من الإمام مالك وحفظ منه الحديث واستوثق من متانة حفظه ، ولم يدع الشافعي شيخاً من مشايخ المدينة إلا أخذ عنه ..
من كتاب الأئمة الأربعة
لا تنسوني من دعواتكم
بنت الراحل الباقي