طلبه للعلم
بدأ الإمام مالك الإقبال على طلب العلم وهو صغير السن وقد كان تلميذاً مجداًّ طموحاً رغم صغر سنه ، وقد برز هذا الجد في تحصيل العلوم عندما وبخه أبوه لتقصيره في الإجابة عن سؤال وجهه إليه .
يقول الإمام مالك عن الذي حدث مع والده : فغضبت من تقصيري وتوبيخ والدي لي على عدم إجابتي للسؤال ، وانقطعت إلى ابن هرمز سبع سنين لم أخلطه بغيره .
وقد كان الإمام مالك رضي الله عنه يحاول أن يستأثر بأستاذه بمفرده ، فكان يأخذ معه تمراً يعطيه للصبيان ويقول لهم : إن سألكم أحد عن الشيخ فقولوا له مشغول ، وهذه حيلة عظيمة وتصرف حسن من طفل صغير ذكي يريد أن ينهل من علم ابن هرمز .
ومن شدة حرص الإمام مالك على طلب العلم والانتفاع بعلم أستاذه أنه كان يطيل الوقوف أمام باب ابن هرمز ، ويظل يمشي أمام الباب حتى يحدث حركة أمام الباب يسمعها أستاذه ، فيقول ابن هرمز لجاريته : من بالباب؟ فتذهب نحو الباب ثم تعود إليه وتقول له : إنه مالك فيقول لها (( ادعيه فذلك عالِم الناس )) .
وهذه شهادة عظيمة من أستاذه وهو صغير شهد له أنه سيكون عالماً وإماماً للناس ، وإن هذه الشهادة خرجت من لسان ابن هرمز لأنه كان متفائلاً ومعجباً بتلميذه .
ومما يدل أيضاً على حرص الإمام مالك في طلب العلم أنه كان يذهب إلى نافع مولى عبد الله بن عمر ، وكان يحاول أن يظهر حيلة من الحيل حتى ينهل من علمه ، فقد كان يقف في الشمس لفترات طويلة لا يقيه من حر شعاعها شيء حتى إذا ما ظهر نافع تابعه مالك ثم يتحين الفرصة لسؤاله والأخذ منه .
وكان لمالك أخت كانت تراه واقفاً في الشمس أمام بيت نافع ينتظر خروجه فيطلب منه العلم فكانت تشفق عليه وذات يوم أبلغت أباها بذلك فقال لها : يا بنية إنه يحفظ حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم .
ومن شدة حرصه أيضاً على طلب العلم أنه كان ينتظر مجيء يوم العيد فيذهب إلى أستاذه يطلب منه العلم ، وذلك لأن الناس في هذا اليوم ينشغلون بعيدهم فلا يطلبون العلم من الأساتذة ، فيخلو الجو للإمام مالك أن يظل يوماً كاملاً يأخذ العلم من أستاذه دون ما ينازعه أحد .
يروي الإمام مالك عن تحصيله للعلوم يوم العيد فيقول : شهدت العيد فقلت : هذا يوم يخلو فيه ابن شهاب فانصرفت من المصلى حتى جلست على بابه فسمعته يقول لجاريته : انظري من بالباب؟ فنظرت ، فسمعتها تقول : مولاك الأشقر ، مالك . فال : أدخليه ، فدخلت ، فقال : ما أراك انصرفت بعد إلى منزلك ، وكأن يقول له في أدب : ما الذي جاء بك اليوم وهو يوم عيد؟ قلت : لا ، قال : هل أكلت شيئاً؟ قلت : لا ، قال : أطعام؟ قلت : لا حاجة لي فيه ، قال : فما تريد؟ قلت : تحدثني ، قال لي : هات ، فأخرجت ألواحي فحدثني بأربعين حديثاً ، فقلت : زدني ، قال : حسبك إن كنت رويت هذه الأحاديث فأنت من الحفّاظ ، قلت : قد رويتها ، فجذب الألواح من يدي ثم قال : حدّث ، فحدّثته بها فردها إليّ وقال : قم فأنت من أوعية العلم .
كل هذه المواظبة من الإمام مالك كان يتابعها في نشاط وإقبال واجتهاد ومتعة وكان يساعده في ذلك ذكاؤه المفرط .
فالواجب علينا أن نجتهد في طلب العلم ولا نشغل أذهاننا إلا به ونقتدي بما فعل الإمام مالك لترتفع درجاتنا في الدنيا والآخرة .
واعلموا أن الملائكة لتضع أجنحتها لطالب العلم رضىً بما يفعل ..
من كتاب الأئمة الأربعة
لا تنسوني من دعواتكم
أختكم بنت الراحل الباقي