تخصصه في مجال الفقه
ظل الإمام أبو حنيفة يسأل نفسه عن أي مجال من مجالات العلم يريد أن يتخصص فيه حتى يختاره ليبدأ في دراسته والتعمُّق فيه ، فطرح المجالات كلها أمام عينيه وراح يتخير لنفسه ، وذلك كمن وضع أمامه طبقاً من التفاح ، وآخر من المانجو ، وثالث من الرمان ، ورابع فيه فواكه متعددة ، وظلّ يتخير منها ما يطيب لنفسه ويناسب مذاقه حتى وقع اختيار الإمام أبي حنيفة على مجال الفقه .
يقول الإمام أبو حنيفة وهو يحدّث تلاميذه عن ذلك : لما أردت طلب العلم جعلت أتخيّر العلوم وأسأل عن عواقبها ، فقيل لي : تعلم القرآن ، فقلت : إذا تعلمت القرآن وحفظته فما يكون آخره ؟ قالوا : تجلس في المسجد ويقرأ عليك الصبيان والأحداث ثم لا تلبث أن يخرج فيهم من هو أحفظ منك أو يساويك في الحفظ ، فتذهب رياستك .
قلت : فإن سمعت الحديث وكتبته حتى لم يكن في الدنيا أحفظ مني ؟ قالوا : إذا كبرت وضعفت حدّثت واجتمع عليك الأحداث والصبيان ، ثم لا تأمن أن تغلط فيرموك بالكذب فيصير عاراً عليك في عقبك ، فقلت : لا حاجة لي في هذا .
ثم قلت : أتعلّم النحو ، فقلت : إذا حفظت النحو والعربي ما يكون آخر أمري ؟ قالوا : تقعد معلماً ، فأكثر رزقك ديناران إلى ثلاثة ، وهذا لا عاقبة له ، قلت : فإن نظرت في الشعر فلم يكن أحد أشعر مني ما يكون من أمري ؟ قالوا : تمدح هذا فيهب لك ، أو يحملك على دابة ، أو يخلع عليك خلعة ، وإن حرمك هجوته فصرت تقذف المحصنات ، قلت : لا حاجة لي في هذا ، قلت : فإن نظرت في الكلام ما يكون آخره ؟ قالوا : لا يسلم من ينظر في الكلام من مشنعات الكلام فيرمى بالزندقة ، فإما أن تؤخذ فتُقتل ، وإما أن تسلم فتكون مذموماً ملوماً .. فقلت : فإن تعلمت الفقه ؟ قالوا : تسأل وتفتي الناس ، وتُطلب للقضاء وإن كنت شاباً .. قلت : ليس في العلوم شيء أنفع من هذا فلزمت الفقه وتعلمته .
وهكذا رسم الإمام أبو حنيفة لنفسه طريق العلم الذي ارتضاه وأحس في قرارة نفسه أنه قادر على أن ينفع به وينتفع منه ، حتى صار إماماً يلقب بالإمام الأعظم الذي لم يشاركه به أحد من سائر الأئمة ..
نقلته من كتاب الأئمة الأربعة
لا تنسوني من دعواتكم الصالحة
بنت الراحل الباقي