المدينة المنورة دار العلم
إن من الأسباب التي جعلت الإمام مالكاً إماماً يقدّره كل من يعرفه ، وجوده في المدينة المنورة ، مدينة الرسول محمد صلى الله عليه وسلم .
فقد كانت المدينة المنورة في زمن طفولة الإمام مالك تمتلئ بالعلماء التابعين الأخيار ، وكان في المدينة المنورة مدرسة لتلقي العلم مقرها مسجد رسول الله صلى الله عليه وسلم . ففي أرجاء المسجد تنتشر الحلقات وعلى رأس كل حلقة أحد العلماء المرموقين مثل ربيعة بن أبي عبدالرحمن ، وابن هرمز ، ونافع ، وابن شهاب الزهري ، ومحمد بن المنكدر ، وجعفر الصادق بن محمد الباقر رأس آل البيت النبوي .
وكان ذلك الوقت ما زال العهد برسول الله صلى الله عليه وسلم وأصحابه الكرام قريباً ، لذلك كانت الفتاوى باقية في الصدور ، والأحاديث النبوية محفوظة في القلوب ومروية على الألسنة ، وفقه عبدالله بن عمر وعبدالله بن مسعود وسعيد بن المسيب وما سجلوه من مسائل أو استنبطوه من أحكام لا تزال في الحلقات جيلاً بعد جيل .
لذلك كان المسلمون يثقون في علماء المدينة المنورة لأنهم تعلّموا من مدرسة النبوة ، وورثوا شمائل الصحابة وتداولوا أحكام الفقهاء وعلم التابعين الأولين ، وقد كان العلماء من الصحابة رضوان الله عليهم إذا أصدروا فتوى في أي مجال وهم في مكان آخر غير المدينة المنورة ، ورجعوا إلى المدينة المنورة ووجدوا فيها ما يخالف الفتوى التي أصدروها عادوا إلى تلك الأماكن وصححوا الفتوى التي أفتوا بها .
وهكذا ظلت المدينة المنورة معقل الدين ومناط الشريعة وموئل الفقه ودار الحديث ومجمع العلماء ، وهي البيئة التي هيأت لمالك الصغير أن يشب على العلم ويتربّى على الفقه ، وينشأ على الحديث ، ويثبت على علوم العربية كل ذلك مع جهده المتواصل وسعيه الذي لا يعرف الملل ، وجهاده ومثابرته في طلب العلم ، حتى صار إمام دار الهجرة النبوية الشريفة على صاحبها أفضل الصلاة والسلام ثم إماماً لأكبر عدد من المسلمين .
من كتاب الأئمة الأربعة
لا تنسوني من دعواتكم
بنت الراحل الباقي