نشأته العلمية
نشأ الإمام أحمد بن حنبل حريصاً على طلب العلم ، شغوفاً به محباًّ له طالباً إياه في كل مكان ، وحفظ القرآن الكريم ، ودرس علم اللغة وتعلّم الكتابة والتحرير في الديوان وهو ابن أربع عشرة سنة . وقد كانت أمه تخاف عليه من التعب لأنه كان يواصل الليل بالنهار في طلب العلم ، لدرجة أنه كان يريد أن يخرج في طلب العلم قبل الفجر بكثير فكانت أمه تمسك ثيابه حتى لا يخرج إلا مع الفجر خوفاً عليه ، وحتى يصبح الناس ويستيقظوا من نومهم .
وقد رحل الإمام أحمد بن حنبل في طلب الحديث وتعلمه رغم الفقر الذي قد كان فيه من بغداد إلى مكة والمدينة والشام واليمن والكوفة والبصرة ، وذات يوم رآه رجل يعرفه فقال له : مرة إلى الكوفة ومرة إلى البصرة .. إلى متى ؟ وذات مرة سار من بغداد إلى الشام ليسمع من محدّث مشهور هناك ، فلما بلغه – أي وصل عنده – وجده يطعم كلباً وجلس ابن حنبل والإمام المحدّث يستمر في إطعام الكلب ، فلما انتهى من إطعام الكلب قال لابن حنبل : لعلك وجدت عليَّ من نفسك شيئاً؟ فقال ابن حنبل : نعم .
فقال المحدّث : إنه ليس بأرضنا كلاب وقد قصدني هذا الكلب ، ورجاني أن أطعمه وأسقيه ، فعلمت أنه جائع وظمآن ، فأطعمته وسقيته وأجبت رجاءه ، لأني سمعت من أبي الزناد عن الأعرج عن أبي هريرة رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : (( من قطع رجاء من ارتجاه قطع الله رجاءه يوم القيامة )) فابتسم الإمام أحمد بن حنبل وقال : يكفيني هذا الحديث ، وعاد إلى بغداد .
إلى غير ذلك من العناء الذي كان يواجه الإمام أحمد في جمع الأحاديث ، فقد كان الإمام أحمد يهتم اهتماماً كبيراً لمعرفة رواة الحديث ، حتى صار في الحديث إماماً بشهادة العلماء والأئمة له ، فقد كان الإمام الشافعي يقول : أنتم أعلم بالحديث وبالرجال ، وقد قال الشافعي يوماً لتلميذه الربيع بن سليمان في مصر : أحمد إمام في ثماني خصال : إمام في الحديث ، إمام في الفقه ، إمام في اللغة ، إمام في القرآن ، إمام في الفقر ، إمام في الزهد ، إمام في الورع ، إمام في السنة .
وقد كان الإمام أحمد يسافر من مكان إلى مكان ليجمع أي عدد من الأحاديث النبوية مهما قلّت ، ولو رجع بحديث واحد لاعتبر نفسه فائزاً .. لهذا حكم عليه كثير من أهل التخصص أنه محدّث أكثر منه فقيهاً ، ومما ورد عنه أنه كان يقول قولة مشهورة وهي (( مع المحبرة إلى المقبرة )) وقولته أيضاً (( أنا أطلب العلم إلى أن أدخل القبر )) ..
هذا وقد ظلّ ابن حنبل طالباً للعلم طيلة حياته وداوم على طلب الحديث حتى بعد أن أصيح فيه إماماً ، وقد قال له بعض الناس متعجباً من استمراره في طلب العلم على الرغم من إمامته وجلالته : إلى متى وقد بلغتَ هذا المبلغ وصرت إماماً ؟ فأجابه الإمام الإجابة المشهورة التي مرت (( مع المحبرة إلى المقبرة )) إنها كلمة تبهر الإنسان ، وتهز الكيان ، وفيها استمداد كريم من هدي الإسلام الذي علمنا أن العلم يطلب من المهد إلى اللحد ، فابن حنبل يحمل دواته وقلمه وورقه طيلة حياته مواصلاً طلب العلم . فليت كل طالب علم يضع أمام عينه كلمة الإمام أحمد بن حنبل (( مع المحبرة إلى المقبرة )) و (( أنا أطلب العلم إلى أن أدخل القبر )) ..
وقد كان الإمام أحمد بن حنبل رضي الله عنه لا يعتمد على الذاكرة أو الحافظة ، بل كان يقيد كل ما يتلقى ويسمع ، وكان إذا أملى حديثاً لا يمليه إلا من كتاب وإن كان حافظاً له ..
من كتاب الأئمة الأربعة
لا تنسوني من دعواتكم
بنت الراحل الباقي