الرحلة الرابعة إلى اليمن
زار الإمام الشافعي مكة المكرمة موطن أجداده وأمه التي توجد بها وشيوخه الأجلاء .
وراح ليزور أقاربه ويطلب منهم مالاً يستعين به على قضاء بعض حوائجه ومتطلباته فرفضوا أن يعطوه ، إلا أن بعض أقاربه سعى له عند قاضي اليمن الموجود بمكة المكرمة وكان اسمه مصعب ، فرحب مصعب بالشافعي ثم قال له : إن أمير المؤمنين ببغداد كتب إليّ أن أصير إلى اليمن قاضياً فهل تخرج معنا لعل الله يعوضك عما كان بعض الأقارب يعوضونك به .
قال الشافعي : نعم وفقني الله ، ووفقك .
ثم ذهب الشافعي إلى اليمن وتولى في اليمن عمل القضاء ، وقد بذل فيه جهداً عظيماً حُمِدَ عليه ، واشتهر بين الناس بالأمانة والأخلاق الحسنة والاجتهاد وغزارة العلم .
وبلغت هذه الشهرة من اليمن إلى مكة وراحت الألسنة تثني على الشافعي فلما بلغ هذا الثناء شيخه سفيان بن عيينة محدّث مكة رحّب به حين لقيه وقال : لقد بلغني حُسن ما انتشر عنك في اليمن ، وما أديت كل الذي لله عليك فلا تَعُد .
إلا أن الشافعي لم يأخذ برأي شيخه ورجع إلى اليمن ، ولما رجع إلى اليمن تولى قضاء نجران ، فاشتهر بحُسن سيرته ، وحَملِه الناس على السنّة والقوانين الصحيحة ، فحاول أهل نجران أن يغيروا من الشافعي ويسيّروه على طبائعهم كما كانوا يفعلون مع من يتولى أمورهم قبله ولكنهم لم يستطيعوا .
وظلّ الشافعي يقيم العدل بينهم ويزهق الباطل فأجمع عليه المغرضون الذين يكرهون إقامة الحق والعدل ، وسعوا إلى أمير المؤمنين وتكلموا في حق الشافعي كلاماً كاد هذا الكلام أن يقضي على حياته لولا حفظ الله له .
وعاد الشافعي إلى مكة المكرمة واتخذ له حلقة في المسجد الحرام ، جلبت إليه الكثير من ذوي المكانة في العلم يستمعون إلى طرائقه الجديدة في استنباط الأحكام ، حتى ملأ عقولهم بالمعلومات ، وشهدوا له بالتفوق والفهم .
ومن الذين شهدوا له بالعلم : الإمام أحمد بن حنبل الذي وفد حاجّاً إلى مكة ودخل المسجد الحرام فلفت نظره الإمام الشافعي وشهد له بالعلم فقال : تناظرنا في الحديث فعلم أرَ أعلم منه ، ثم تناظرنا في الفقه فلم أرَ أفقه منه ، ثم تناظرنا في القرآن لم أرَ أقرأ منه ، ثم تناظرنا في اللغة فوجدته بيت اللغة ، وما رأت عيناي مثله قط .
من كتاب الأئمة الأربعة
لا تنسوني من دعواتكم
أختكم / بنت الراحل زايد